
تطوّر شركة بروبيلر
[قراءة 6 دقائق]
انضمّ هاني عزّام إلى شركة بروبيلر عام 2025 بصفته مديرًا استثماريًا رئيسيًا، قبل أن يُرقّى إلى شريك بنهاية العام نفسه، في مرحلة مفصلية من مسيرة الشركة. وأسهم في إطلاق الصندوق الثالث (Fund III)، وهو صندوق بقيمة 50 مليون دولار أمريكي، يركّز على الاستثمار في المراحل المبكرة في شركات البنية التحتية البرمجية والذكاء الاصطناعي المصمّمة للأسواق العالمية.
في هذا الحوار ضمن سلسلة أصوات الصناعة، يستعرض هاني تطوّر بروبيلر عبر صناديقها الثلاثة الأولى، ويشرح كيف يحدّد الفريق المؤسّسين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا القادرين على المنافسة في سوق أمريكا الشمالية، كما يقدّم رؤيته حول المرحلة الناشئة للذكاء في أدوات المطوّرين.
الطريق إلى صندوق بروبيلر الثالث
يصف هاني تطوّر بروبيلر بأنه مسار متدرّج من المراحل المتتابعة، انتهى بإطلاق صندوقها الثالث. تأسّست الشركة عام 2017 كمستثمر إقليمي في B2B SaaS في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومنذ ذلك الحين، واصلت بروبيلر تضييق تركيزها القطاعي تدريجيًا، مع توسيع نطاق الأسواق التي تستهدفها شركات محفظتها الاستثمارية.
ركّز الصندوق الأول على دعم شركات ناشئة تعالج مشكلات محلية، بدءًا من أنظمة نقاط البيع، وصولًا إلى منصّات الموارد البشرية والمزايا الوظيفية. ويقول هاني: «كان الصندوق الأول صندوقًا إقليميًا بامتياز في مجال B2B SaaS، واستثمرنا فيه في العديد من الشركات المميّزة التي كانت تبني حلولًا مخصّصة لمنطقة الشرق الأوسط».
ومع إطلاق الصندوق الثاني (Fund II)، بدأت مرحلة انتقالية واضحة. فعلى الرغم من استمرار بعض الاستثمارات ضمن نطاق B2B SaaS الإقليمي، شرعت الشركة في تضييق أطروحتها الاستثمارية باتجاه برمجيات البنية التحتية والشركات ذات الطموحات العالمية. وشمل ذلك شركات ناشئة تأسّست في الشرق الأوسط، ثم انتقلت لاحقًا إلى سان فرانسيسكو لبناء منتجاتها للسوق الأمريكية، إلى جانب شركات كانت متمركزة في أمريكا الشمالية منذ البداية. ويوضح هاني: «كانت تلك فترة وسطية؛ واصلنا فيها بعض ما اعتدنا عليه، لكننا بدأنا في الوقت نفسه الاستثمار في شركات بنية تحتية تستهدف أسواقًا عالمية».
وقد شكّلت هذه الخبرات الأساس لإطلاق الصندوق الثالث. فمن خلال صندوقها الثالث البالغة قيمته 50 مليون دولار، تبنّت بروبيلر أطروحة أكثر تركيزًا وطموحًا، تتمثّل في دعم شركات البنية التحتية البرمجية وبنية الذكاء الاصطناعي المصمّمة للأسواق العالمية. وعمليًا، يعني ذلك التركيز على أمريكا الشمالية، حيث يتركّز الطلب الأكبر على هذه التقنيات. ويشير هاني إلى ذلك بقوله: «عندما نقول إننا نستهدف السوق العالمية، فإن أكبر سوق اليوم لبرمجيات البنية التحتية هو أمريكا الشمالية، وهذا هو تركيزنا الأساسي».
تستثمر بروبيلر في Pre-Seed وSeed، وتتراوح قيمة الشيكات الاستثمارية بين 500 ألف دولار و1.5 مليون دولار أمريكي.
تضييق التركيز القطاعي وتوسيع النطاق الجغرافي
يعكس قرار شركة بروبيلر بتضييق تركيزها القطاعي، مع التوسّع خارج منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، خلاصة دروس عملية راكمها الفريق على مدار سنوات بناء الشركة، ولا سيما زيد، الشريك العام.
يوضّح هاني قائلًا: «التركيز يضاعف أثره بمرور الوقت». فمن خلال التركيز على مجموعة محدودة من المجالات، مثل أدوات المطوّرين، والأمن السيبراني (Cybersecurity)، وبرمجيات البنية التحتية، تستطيع بروبيلر بناء شبكات أكثر كثافة، وتوليد فرص استثمارية أفضل، وتراكم خبرات أعمق، وتقديم قيمة أكبر لشركات محفظتها الاستثمارية. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل فريق عمل صغير يعتمد على الكفاءة العالية في إدارة الوقت والموارد.
ويضيف هاني: «نحتاج إلى استخدام وقتنا بأعلى درجة من الكفاءة. فبناء علاقات عميقة في مجال مثل الأمن السيبراني، وتنظيم الفعاليات أو رعايتها، وقضاء جزء كبير من يومنا في لقاء أشخاص فاعلين في هذا القطاع، لا يكون مجديًا إلا إذا شكّل هذا المجال جزءًا جوهريًا من محفظتنا الاستثمارية».
كما تعكس هذه الاستراتيجية المجالات التي تمتلك فيها بروبيلر خبرة حقيقية. فاثنان من أصل ثلاثة أعضاء في فريق الاستثمار هما مطوّران برمجيان محترفان، في حين يتمتّع هاني نفسه بخلفية في إدارة المنتجات. لذلك، لم يكن تضييق الأطروحة الاستثمارية قرارًا تكتيكيًا فحسب، بل اعترافًا صريحًا بنقاط القوّة الفعلية للشركة، وبالمجالات التي تنبع منها شغفها الحقيقي.
وفي المقابل، جاء التوسّع الجغرافي بوصفه التوازن الطبيعي لهذا التركيز. ويقول هاني: «في رأس المال الجريء، لا بدّ من استهداف أكبر الأسواق المتاحة». وبالنسبة لبرمجيات البنية التحتية وأدوات المطوّرين، تظلّ أمريكا الشمالية السوق الأوسع، نظرًا لارتفاع كثافة المؤسّسين، والعملاء، ورأس المال في المراحل المبكرة.
ويشبّه هاني ذلك بكرة القدم، قائلًا: «إذا أردت أن تُعدّ الأفضل في العالم، فعليك أن تلعب في الدوري الإنجليزي الممتاز». وبالمثل، ترى بروبيلر أن على المؤسّسين، بمن فيهم القادمون من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بناء شركاتهم للسوق الأمريكية إذا أرادوا المنافسة على أعلى المستويات عالميًا.
تقييم الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للأسواق العالمية
تعتمد شركة بروبيلر مقاربة مرنة في التعامل مع البعد الجغرافي؛ إذ تتركّز استثماراتها أساسًا في أمريكا الشمالية والشرق الأوسط، من دون أن تكون مقيّدة بمكان وجود المؤسّس أو بخلفيته العرقية. ويشير هاني إلى ذلك بقوله: «العديد من استثمارات الصندوق الثالث (Fund III) تعود إلى فرق تأسيس مقرّها في أمريكا الشمالية منذ البداية، ونحو نصف هذه الفرق لا يمتلك أي ارتباط مباشر بالشرق الأوسط».
وعند تقييم الشركات الناشئة القادمة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تبحث بروبيلر عن مؤسّسين يتمتّعون بطموح عالمي، ومنتجات قادرة على المنافسة على نطاق دولي. ويوضّح هاني: «تُعدّ منطقة الشرق الأوسط موطننا الجذري؛ إذ يقيم زيد في الرياض، وهو ما يمنحنا وصولًا مميّزًا إلى مؤسّسين يسعون إلى التوسّع عالميًا». وتقيّم بروبيلر مدى استعداد الشركة للتوسّع العالمي، ولا سيما نحو السوق الأمريكية، من خلال طريقة صياغة المؤسّسين لرؤيتهم، ومدى قدرتهم على إثبات فاعلية المنتج، إضافة إلى مؤشّرات عملية على سعيهم لدخول السوق الأمريكية، مثل امتلاك خبرة سابقة في الولايات المتحدة أو السفر المتكرّر إليها.
ولتعزيز هذا التقييم واختبار جاهزية مؤسّسي المنطقة للسوق الأمريكية، أطلقت بروبيلر مؤخرًا برنامج Kernel Camp (لا تزال طلبات المشاركة مفتوحة)، وهو برنامج يمتد لشهرين في مدينة سان فرانسيسكو. ويقيم خمسة مؤسّسين تم اختيارهم في منزل جماعي للمطوّرين (Hacker House) وسط المدينة، حيث ينغمسون في عملية اكتشاف العملاء، وبناء علاقات مع المستثمرين، والتعلّم من أقرانهم. ويعلّق هاني قائلًا: «إنه اختبار حقيقي للقدرة على الصمود والنجاح. وسيُبنى قرارنا الاستثماري على ما نلاحظه خلال هذا البرنامج، فهو في جوهره أفضل مقياس عملي لمعرفة ما إذا كان المؤسّس مستعدًا للنجاح في أمريكا الشمالية».
بناء المحفظة الاستثمارية وإدارة المخاطر
يؤكّد هاني أن مقاربة شركة بروبيلر في بناء المحفظة الاستثمارية لا تزال في طور التطوّر. ويوضّح أن إدارة المخاطر لا تتحقّق فقط من خلال توزيع الاستثمارات على قطاعات غير مترابطة، بل يمكن أيضًا الوصول إليها عبر الموازنة بين مستويات مختلفة من المخاطر ضمن أطروحة استثمارية واحدة ومركّزة. ويقول في هذا السياق: «حتى داخل صندوق استثماري قائم على أطروحة محدّدة وقطاع مركّز، توجد وسائل متعدّدة للتخفيف من المخاطر».
وتجمع بروبيلر بين رهانات عالية المخاطر وعالية العوائد، مثل شركة ستاركلاود (StarCloud) التي تعمل على بناء مراكز بيانات في الفضاء، وبين شركات ناشئة تسلك مسارات أكثر رسوخًا، كأدوات المطوّرين والأمن السيبراني. ويضيف هاني: «ينطوي الاستثمار الجريء بطبيعته على مخاطر مرتفعة»، مشيرًا إلى أن المبالغة في تصميم آليات الأمان قد تأتي بنتائج عكسية. ويتابع: «الصناديق الأعلى أداءً هي تلك التي تتبنّى نتائج عالية المخاطر وعالية العوائد، بدلًا من إسقاط منطق إدارة المخاطر الخاص بفئات الأصول الأخرى على رأس المال الجريء».
المؤشّرات الأساسية في استثمارات البنية التحتية البرمجية
يوضّح هاني أن اختلاف فئات العملاء النهائيين يفرض اختلافًا في طرق التحقّق من المشكلة التي تسعى الشركة الناشئة إلى حلّها. فعلى سبيل المثال، يبدأ اعتماد أدوات المطوّرين غالبًا من الأسفل إلى الأعلى، على نحو يشبه المنتجات الاستهلاكية. ويقول: «يمكن في هذه الحالة النظر إلى مؤشّرات مثل عدد النجوم التي تحصدها الأداة على منصّة GitHub، أو حجم مجتمع المطوّرين المحيط بها». ويقدّم مثالًا على ذلك بشركة CodeMod، إحدى شركات محفظة الصندوق الثالث، التي نجحت في بناء مجتمع يضم نحو 30 ألف مطوّر، إضافة إلى مساحة نشطة على منصة Slack، وكل ذلك عبر نموذج المصادر المفتوحة (Open Source) وخيارات الاستخدام المجاني.
أمّا في قطاع الأمن السيبراني، فيتحوّل التركيز نحو مؤشّرات استراتيجية الدخول إلى السوق. فدورات البيع أطول بطبيعتها، وغالبًا ما تمتد بين 18 و24 شهرًا، ما يدفع هاني إلى التركيز على مؤسّسين يمتلكون شبكات علاقات قائمة مسبقًا وروابط قوية مع أصحاب المصلحة الرئيسيين في القطاع، مثل مسؤولي أمن المعلومات. ويختم قائلًا: «قد تحمل هذه العناصر وزنًا أكبر بالنسبة للمستثمر مقارنة بقطاعات أخرى».
الدخول في المرحلة الذكية لأدوات المطوّرين
يصف هاني المرحلة الحالية في عالم أدوات المطوّرين (Developer Tools) بأنها «مرحلة الذكاء» (Intelligence Phase)، وهي تحوّل نحو كتابة البرمجيات بشكل ذاتي أو شبه ذاتي بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي (AI). ويوضّح قائلًا: «باتت وكلاء الذكاء الاصطناعي و Code Agents أشبه بأعضاء في فرق الهندسة، ينفّذون مهام كان البشر يؤدّونها يدويًا في السابق». ويشمل ذلك تخطيط البرمجيات، وكتابتها، واختبارها، ونشرها، ومراقبتها، بوتيرة أسرع، وعلى نطاق أوسع، وربما بجودة أعلى.
ويرى هاني أن الفرصة الحقيقية تكمن في جعل هذه العملية ذكية بالفعل، بدل الاكتفاء بإغراق السوق بكمّ هائل من الشيفرات منخفضة القيمة. ويقول: «الأدوات باتت متاحة بالفعل، لكن السؤال اليوم هو كيفية استخدامها بفاعلية، بحيث يؤدّي هذا الانفجار في إنتاج البرمجيات إلى تحسين النتائج، لا إلى مجرّد إضافة ضجيج».
وفي هذا السياق، بدأت بروبيلر توسيع نطاق استكشافها لمجالات مثل التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، وتطوير أدوات تساعد «البشر والوكلاء على التعاون، وبناء الثقة، والتحقّق من عمل بعضهم البعض». ويقدّم هاني مثالًا على ذلك بشركة Pebble، إحدى شركات محفظة بروبيلر، التي تمكّن المطوّرين من التنسيق مع وكلاء ذكاء اصطناعي يعالجون تلقائيًا الأخطاء البرمجية منخفضة المستوى. كما يعبّر عن حماسه لأدوات تراقب أداء وكلاء الذكاء الاصطناعي وتوفّر رؤى قابلة للتنفيذ، بما يساعد الفرق على تحسين صياغة الأوامر وتحسين المخرجات، وصولًا إلى تجربة أفضل للمستخدم النهائي.
حصاد 2025 وتطلّعات 2026
شكّل عام 2025 محطة مفصلية في مسيرة بروبيلر. فقد أعلنت الشركة رسميًا إطلاق صندوقها الثالث، ونفّذت ستة استثمارات، وكشفت عن برنامج Kernel Camp، وهو مبادرة مبتكرة تهدف إلى إعداد مؤسّسي الشركات الناشئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للمنافسة في الأسواق العالمية. ويسترجع هاني تجربته في تولّي دور الشريك بوصفها إنجازًا بارزًا، قائلًا: «كنت محظوظًا بدخولي إلى الشركة بصفتي مديرًا استثماريًا رئيسيًا، مع شعور حقيقي بأن لي صوتًا مؤثّرًا في قرارات الاستثمار». ومع الانتقال إلى دور الشريك، برزت مسؤوليات جديدة، لا سيّما إدارة العلاقات مع الشركاء المحدودين وبناء شبكة العلاقات المناسبة للشركة. ويضيف: «كل شخص في هذه المنظومة بالغ الأهمية»، مشبّهًا ذلك بالتوظيفات الأولى في الشركات الناشئة، حيث يسهم الشركاء في تشكيل الفريق الذي يقود نجاح الصندوق.